بقلم – نهلة الشهال
لولا الطريقة التي اختارها «داعش» للإعلان عن إعدام الطيار الأردني، لما أثار الحدث هذا الانفعال والضجيج كلّه. الحرق أولاً، وتنفيذه بطريقة ممسرحة ثانياً، بدءاً من اختيار وضع الرجل في قفص، والحبل الطويل الذي أشعل بتؤدة، وانتهاء بالجرّافة الموكلة بالطمر (وهي كلها تقع ضمن الاستعراض)، وجودة الفيلم على المستويات كافة ثالثاً، المنفّذ بتقنية عالية واحترافية قيل عنها إنها عالمية، تصويراً ومؤثرات صوتية وتركيباً للوثائق وخطاباً مُحاجاً وإخراجاً.. لو قَتل «داعش» الكساسبة بالرصاص، أو حتى بالذبح كما فعل قبل أيام باليابانيين، وقبلهما بالكثير سواهما، لبدا الأمر «عادياً».
ويبدو أن الطيار الأردني أُعدم قبل شهر من بثّ الشريط، وأن هناك سيناريو محكماً وُضع للعملية، ما يفسّر العناية في يوم التنفيذ بتفاصيل المشهد، ومنها الأدوات التي يخطَّط لاستخدامها، و»التايم تابل» أو التوقيت الصارم لكل خطوة (كما في أي «سكريبت»، حيث يجري تحديد أصغر تفصيل) ليخرج «العمل» متقناً. ثم بُذِل الوقت الكافي على إخراج الفيلم النهائي الذي تجاوزت مدته 22 دقيقة، وحُمِّل الرسالة التي يريد التنظيم إيصالها. وهذه، لو تجاوزنا المضمون السياسي المكرر في كل مناسبة وبطرق مختلفة، تركّزت على السيطرة.
السيطرة مفهوم معقّد، وهو يتضمّن التطلّع الى الهيمنة والسطوة والتحكّم، كما يفترض البرهان على الفعالية، وإلا أصبحت الأفعال التي تقصد أو تدّعي امتلاكه كاريكاتورية، وأخيراً فهو ملتزم بوظيفية كل إجراء بعيداً عن التخبّط. وإيصال مفهوم السيطرة لا يتم بالخطاب فحسب، أي بإعلان تبنّيه و»قوله»، بل بتكرار تنفيذه بنجاح، وأيضاً بالإيحاء به بوسائل متعددة تخاطب الشعور والخيال بمقدار العقل. وذلك يخصّ أصغر التفاصيل. إذ لا يمكن عدم الانتباه مثلاً إلى ثياب المقاتلين الموحدة والجديدة والنظيفة، ولا إلى التعبير الجسدي (الذكوري بقوة) وهو مقصود، حيث أطوال هؤلاء المقاتلين وأحجامهم موحّدة هي الأخرى، وقفتهم (في صف واحد وبأرجل متباعدة)، وانضباط حركتهم وهدوئها، وطريقة حملهم لسلاحهم، ودور من مُيِّز من بينهم بلون ردائه ومهماته الخ.. وهذا كله يناقض بشكل صارخ مشاهد الخراب الذي يخيم على مدن المنطقة ونواحيها، حتى خارج لحظات الحرب. هذا كله يوضع بمقابل جموع الناس الرثة، المهرولة بعشوائية، بسبب ومن دونه، الضائعة، ذات الملامح المنهكة والمنهارة من الجوع والقمع وفقدان الأمل، علاوة على القصف والتفجيرات. لعلّه في زمن الصورة، يتعرف هنا الشاب الى ما يشتهي أن يكون عليه. وهذا ينطبق ليس فحسب على من يَقتلون وقتهم في حارات العشوائيات الكثيرة التي تلفّ مدننا حتى صارت هي الأصل، بل وحتى على من يوجد في الجامعات التي فقدت في الطريق معناها، لأنها صارت تخرِّج موعودين بالبطالة، وصار شكل التعليم فيها ومضمونه «تقريبيين».. بينما يصبح جلّ منى السلطات القائمة هو الإمساك بالحكم، ويغيب المشروع العام الجامع والمحفز. تدمَّر سوريا بوحشية وإمعان على رؤوس أبنائها، ويعم العراق بؤس مرعب وتسيّب وفساد، ويُُحكم في مصر على الناشط الشاب أحمد دومة بالمؤبد لأنه تظاهر، زائداً ثلاث سنوات نكاية فورية واعتباطية لأنه صفّق للحكم فأغاظ القاضي. وهكذا..
قد يكون الرفاه والنجاح الفردي تحوّلا في الغرب الحديث الى محفزات كافية (حتى الأمس القريب، قبل أن تنفجر الأزمة الشاملة في 2008 وتذكِّر بأزمة 1929 الواقعة بين حربين عالميتين). ولكن ماذا عنّا؟ ما الذي يمكن أن يستقطب الشباب (والشابات!) ويحفزهم ويصوغ خيالهم عما يريدون أن يكون عليه عيشهم وبلادهم؟ يقيناً، ثمة رابط قوي بين الرغبة الجامحة في الهجرة إلى الغرب التي تنتاب منذ سنوات الشباب في طول المنطقة وعرضها، وهي مشروع هرب/خلاص فردي دونه أهوال، وبين «هجرة» ممكنة يقترحها عليهم «داعش». والتنظيم إياه يقولها أصلاً بصراحة.
ثم هل يمكن لمنطقة تتوسّطها بكل مهانة إسرائيل، وتستبيحها وتذلها الجيوش الغربية (واحتلال العراق يجب أن يُنظر إليه كزلزال)، وتقصفها باستمرار الطائرات والصواريخ العابرة للقارات (حتى قبل الإعلان الرسمي عن الطور الراهن من «الحرب على الإرهاب»)، إلاّ أن تنتج داعشاً الذي عنون شريطه الأخير عن إعدام الطيار الكساسبة بـ»شفاء الصدور»، والذي يلبس أسراه اللون البرتقالي، كما كانت حال الأسرى في معتقل غوانتانامو الأميركي؟ وهل يُعقَل على سبيل المثال، أو كان يُتَصوَّر أن يمر مرور الكرام إعلان الحكومة المصرية نيّتها عقد اتفاقية لشراء الغاز من إسرائيل «حلاً لمشكلة تشغيل محطات توليد الكهرباء وللنقص في توزيع غاز الاستهلاك المنزلي»، وأنها استقبلت لهذا الغرض وفداً إسرائيلياً منذ أيام، بينما هي تُجرِّف رفح وتحكم إقفال قطاع غزة على سكانه. يكفي للجواب رصد سياق التغييرات في تنظيم واتجاه «أبناء بيت المقدس» الذي تحوَّل إلى منظمة إرهابية صافية تقتل أبناء الجيش المصري، وكل من يخالفها في سيناء وخارجها!
ثم أنه من المدهش أن تحمل الصحف الأردنية، غداة إعدام الكساسبة، عنوانَي «الثأر والانتقام»، وأن يتلخّص الخطاب الذي ساد بهاتين المفردتين (بما فيه ذاك الرسمي، والآخر الشعبي الذي عبّرت عنه المظاهرات، علاوة على الأداء الإعلامي)، وكأن فظاعات داعش بدأت مع هذا الحدث، ولكن والأهم، وكأن المقاتَلة تدور بين عشيرتين تتبادلان الثأر والانتقام، وهو منطق عقيم وبلا قعر. كما من المستغرب تماماً أن تجري الطمأنة إلى «فعالية» هذا التوعّد باستحضار انتقام الاستخبارات الأردنية من عملية تفجير الفنادق في عمان عام 2005، التي حفّزتها على الإيقاع بالزرقاوي بعد مرور أقل من سبعة أشهر عليها. فهل هي تحتاج إلى مثل هذه المحفّزات؟ وما تعريف المعركة ضد الإرهاب إذاً؟ لا بد من أن ضرورات احتواء غضب الناس وحزنهم على الطيار، وصدمتهم من المشهد المريع، قد دفعت إلى التهديد بالثأر والانتقام، ولكن الأمر يكشف قلة الحيلة وقصر ذات اليد حيال الظاهرة، وقدراً من التخبّط... وحتى من الشبهة.
وهل يخرج عن هذا الإطار/ المنطق، السحق والمحق اللذان هدّد بهما إمام الأزهر. وهو تَقصَّد استحضار صورة لا تقل عنفاً وإثارة للصدمة عما فعله داعش، متوعداً إياه بـ «القتل والحرق والصلب وتقطيع الأيدي والأرجل»... بينما يدور على مواقع التواصل الاجتماعي جدل محتدِم حول المسوغات والمسوغات المضادة!
يا لهول ما نحن فيه.
























